أماكن سياحية

عجائب الدنيا السبع: حدائق بابل المعلقة

حدائق بابل المعلقة أو حدائق السامريين إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، وهي تحفة فنية معمارية بامتياز، حيث تم تعليق البناء في الهواء بواسطة عدد هائل من الأعمدة الحجرية، وهي أول تجربة للزراعة العامودية في التاريخ. يُعتقَد أن حدائق بابل تم بنائها في عهد “نبوخذ نصر الثاني”، الذي حكم بين العامين 562 و 605 قبل الميلاد. والتي لم يستدل عليها إلا من خلال كتابات المؤرخين والرحالة في النصوص القديمة. حدائق بابل أو الجنائن المعلقة هي الأعجوبة الوحيدة من عجائب الدنيا السبع التي يُظن بأنها محض أسطورة.. ويُزعم بأنها بنيت في المدينة القديمة بابل، العراق.. والتي كانت عاصمة الحضارة البابلية القديمة، وتعني كلمة بابل في اللغة الأكادية “باب الإله” كما أسماها القدماء “بابلونيا” حيث أنها تقع في بلاد ما بين النهرين.. ويقول العلماء أن حدائق بابل انهارت بفعل زلزال قوى إلى أنقاض تحت رمال الصحراء لتنطوي صفحة أكبر واحة خضراء من صنع البشر في قلب الصحراء في التاريخ القديم والحديث.

تصميم حدائق بابل المعلقة

ذُكِر أن نبوخذ نصر الثاني أمر ببناء حدائق بابل لإرضاء زوجته ملكة بابل ذات الأصول الفارسية “اميتس الميدونية” والتي كانت تفتقد المعيشة في تلال بلاد فارس ذات الربوات والطبيعة الخضراء، وكرهت العيش في أرض بابل ذات السهول الجافة.. لذلك قرر نبوخذ نصر أن يشيد لها مبنى فوق تل وعلى شكل حدائق معلقة بها تراسات..

لوحة تعود للقرن 16 لحدائق بابل المعلقة بيد الفنان الهولندي مارتن هيمسكيريك
لوحة تعود للقرن 16 لحدائق بابل المعلقة بيد الفنان الهولندي مارتن هيمسكيريك

كان إرتفاع حدائق بابل قرابة 24 متراً، وكان يحيط بها سور بسمك 6.7 متراً وبطول بلغ 17 متراً، وبلغت مساحتها 14400 متر مربع.. تم تعليق المبنى في الأفق باستخدام عدد هائل من الأعمدة الحجرية، وعدد هائل من جُزع النخيل، وتم تدعيم الهيكل باستخدام التربة الجيدة والمرصوفة، والطوب اللبن المحروق، وأعمدة وبلاط حجري مدعوم بالرصاص.. وزُين المبنى بمجموعة متنوعة من الأشجار والنباتات المعلقة بعناية كبيرة، فكانت أول تجربة للزراعة العامودية في التاريخ، وكان يتم ضخ المياه لأعلى باستخدام المضخات والقنوات المائية، بالإضافة إلى النوافير المنتشرة في الأرجاء والتي كانت تعطي المكان برودة علاوة على دورها في ري المزروعات..

وقد تمّ وضع هندسة معمارية خاصة بالزراعة العامودية حيث كان يتم ملء أعمدة حجرية جوفاء مكعبة تحتوي على تربة خصبة تنمو فيها العديد من أنواع الأشجار والنباتات والزهور منها محلية ومنها ما تم استيراده من الخارج..

عكست مباني وحدائق بابل المهارات الهندسية للمعماريين البابليين، حيث كان التحدي يتمثل في بناء واحة خضراء في قلب صحراء قاحلة، وفي الآلية التي سيتم استخدامها في نقل المياه إلى النباتات المعلقة على ارتفاع المبنى في ظل هذة البيئة الجافة، اعتماداً على نهر الفرات كمصدر للري، ومضخ (الشادوف) لضخ المياة إلى أعلى، وهو نظام ضخ يدوي مصنوع من الحجر والخشب في خزان مياة هائل، حيث يتم ضخ المياة بواسطة عجلتين ضخمتين مرصوصتين رأسياً ومتصلتان بسلسلة كبيرة تضم بعض الدلاء، فحين تدور العجلة الموضوعة في خزان المياه، تتحرك السلسلة وتمتلئ الدلاء بالمياه مما يسمح برفعها إلى الأعلى وإلقاء المياه، فتعود إلى الأسفل كرة بشكل دائري لتمتلئ من جديد بالمياة.

حدائق نينوى المعلقة مثلما يظهره هذا اللوح الطيني القديم، حيث يمكن ملاحظة القناة المائية والأعمدة في القسم العلوي للوح
حدائق نينوى المعلقة مثلما يظهره هذا اللوح الطيني القديم، حيث يمكن ملاحظة القناة المائية والأعمدة في القسم العلوي للوح


دراسات عن حدائق بابل المعلقة

وُصفت حدائق بابل في عدد من النصوص القديمة، وكان أولها نص للراهب والمؤرخ والفلكي “برعوثا” في أواخر القرن الرابع ق.م. ، ووصف العديد من المؤرخون حجم الحدائق المعلقة، وكيفية وغرض بنائها، ونظام الري المتبع. وذكرت حقائق عن حدائق بابل المعلقة في الكثير من النصوص التاريخية ومنها المجلد الثاني للمؤرخ “ديودور الصقلي” وهي كالآتي:

“بلغت مساحة الحدائق حوالي 14400 متراً مربعاً، وكانت على شكل تل وتتكون من طبقات ترتفع الواحدة فوق الأخرى، وهي تشبه المسارح اليونانية، حيث يصل ارتفاع أعلى منصة إلى خمسين ذراعاً. بلغت سماكة جدران هذه الحدائق التي زُيّنت بكلفة عالية حوالي 22 قدماً، وممراتها كانت بعرض عشر أقدام، وهذه الممرات كانت مغطاة بثلاث طبقات من القصب والقار، وطبقة ثانية من الطوب، والطبقة الثالثة تتألف من الرصاص تمنع تسلل الرطوبة تليها كميات من التراب غرست فيها الأشجار، وزودت الحدائق بما تحتاجه من التراب لتتسع لجذور أكبر الأشجار، إذ زُودت الحديقة بأشجار من كل الأنواع وبكثافة. صممت الحديقة بطريقة تسمح للضوء بالوصول إلى كل المصاطب، احتوت الحدائق على مساكن ملكية، وكانت المياه ترتفع إلى قمة الحدائق بآلات ترفع المياه من النهر، وقد صممت بطريقة لا يراها زوارها. كان موقع الحدائق بالقرب من نهر “ولم يحدد أي نهر لكن المؤكد أنها كانت في في بابل وبناها نبوخذ نصر.”.  ديودور الصقلي 

 

وأضاف الجغرافي والمؤرخ “سترابو” المزيد من الحقائق في نصوصه:

“أن الحدائق المعلقة هي عجيبة من عجائب الدنيا السبع، وأن آلية رفع المياه فيها كانت عن طريق أنابيب لولبية ترفع المياه إلى الحدائق، وأنها تقع على نهر الفرات “تم تحديده بالضبط لأول مرة”، وكان ثمة موظفين مهمتهم إدارة هذه اللوالب لرفع المياه على مدار اليوم.”. سترابو

 

إلا أن بعض العلماء انحرفوا إلى استنتاجات أخرى حيث شككوا في تاريخ وموقع حدائق بابل الحقيقي بل وشكك البعض في حقيقة وجودها.. حيث زعموا أن تقنية ري الحدائق المعلقة آنذاك تتضمن ماكينة ضخمة تشبه تلك التي اخترعها “أرخميدس”، والتي لم يُعرف استخدامها إلا بعد قرون لاحقة، غير أن نقص الدلائل الدامغة بالإضافة إلى عدم توفر مدونات من أشخاص عاصروا تلك الحقبة، دفع بالكثير من العلماء والباحثين إلى الاعتقاد بأن الحدائق لم تكن يوماً موجودة، وأنها لم تكن سوى أسطورة شعبية تداولها الناس آنذاك..

ثم جاءت البروفيسور “ستيفاني دالي”، الباحثة في جامعة أكسفورد والمتخصصة في الدراسات الشرقية، عام 2013، ووضعت نظرية استندت إلى أبحاث استغرقت 20 عاماً، إذ قررت دالي تركيز بحثها مئات الأميال إلى الشمال من مدينة بابل القديمة، حيث مدينة (نينوى) التي تقع على بعد حوالي 450 كلم شمال بابل (مدينة الموصل حالياً)..

ووفقاً لتقديرات بعض علماء الري إضافة إلى نجاح ستيفاني نظرياً في فك طلاسم إحدى الاكتشافات المعروضة في المتحف البريطاني، وهي لوح طيني مكتوب باللغة المسمارية القديمة يبلغ عمره نحو 2500 عام، حيث أستنتجت بأن العلماء وهم يبحثون عن آثار الحدائق المعلقة قد ضلوا الطريق حيث كانوا يبحثون في المكان الخطأ.. حيث تعد دالي من القلائل الذين يجيدون قراءة هذه اللغة في العالم..

وأشارت دالي إلى أن الوصف التاريخي للحدائق، ظاهر وبقوة في قصر “سنحاريب” في نينوى، الملك الآشوري الذي عاش قبل نبوخذ نصر بمائة عام، حيث وصف في اللوح “قصراً لا يضاهيه قصر”. كما أن كتاباته تصف طريقة زراعة الأشجار على الرواق المسقوف مثلما وردت في وصف حدائق بابل تماماً. حيث يغير هذا الاكتشاف الحديث موقع الحدائق من المملكة البابلية إلى المملكة الآشورية، ومما زاد من الارتباك واللبس الحاصل في موقع الحدائق على المؤرخين والباحثين القدماء هو أن الملك “سنحاريب” كان قد أطلق على مدينة (نينوى) اسم (بابل الجديدة).

تصور بتقنية 3D لحدائق بابل من الداخل
تصور بتقنية 3D لحدائق بابل من الداخل

أعمال التنقيب على آثار حدائق بابل المعلقة مازالت جارية

تدعم أعمال تنقيب أجريت بالقرب من مدينة الموصل نظرية الباحثة ستيفاني دالي، حيث نجح علماء الآثار في استخراج دلائل تثبت وجود ماكينة هائلة الحجم التي قد تكون استعملت في نقل المياه من نهر الفرات إلى الحدائق من أجل سقيها، كما وجدوا كتابات قديمة تفيد بأن تلك الماكينة استخدمت في تلك الحقبة من أجل توصيل المياه إلى المدينة..

بالإضافة إلى ذلك، عثر علماء الآثار على منحوتات ونقوش تبرز حدائق جميلة مخضرّة تستمد مياه السقي خاصتها عبر قنوات مائية كبيرة، كما كان محيط منطقة الموصل المرتفع نسبيا الذي تحيط به الهضاب أكثر احتمالا لتلقي المياه من القناة المائية مقارنة مع المحيط المسطح لمنطقة بابل..

وأعقبت (دالي) نظريتها بالشرح بأن الآشوريين كانوا قد غزوا بابل في سنة 689 قبل الميلاد، وكان ذلك قبل زمن بناء حدائق بابل المعلقة، ومنه يتضح أن المؤرخين الإغريق القدماء أخطأوا في تحديد موقع الحدائق بين نينوى الآشورية وبابل البابلية.

آثار الحضارة البابلية
آثار الحضارة البابلية
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق